من بين ركام التعثّر إلى استعادة الهيبة المؤسسية

بقلم/ انيس راشد الشعيبي

عبدالحكيم الحياني وحاتم باسردة نموذجٌ للقيادة التي تصنع الفارق.

– اختيار موفق من الوزير سالم ثابت العولقي لقيادة تواجه التحديات بالعمل والانضباط وإعادة تحريك عجلة المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.

ليست كل الشخصيات التي تتولى المناصب قادرة على صناعة الفارق، وليست كل القيادات تدرك أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا، وأن المؤسسات لا تنهض بالألقاب والمكاتب الفخمة، بل برجال يؤمنون بأن العمل أمانة، والمسؤولية التزام، وخدمة الناس واجب لا تحدّه الظروف والأزمات.ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الأستاذ عبدالحكيم محمد صالح الحياني، رئيس المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، والدكتور حاتم باسردة، نائب رئيس المؤسسة، وهذه ليست مجاملةً لأشخاص، بل إنصافٌ لرجال أثبتوا جدارتهم بالفعل والنتائج، وقدموا نموذجًا للإدارة المخلصة التي تستحق.

بل وحديث عن تجربة إدارية تستحق التقدير والتقييم المنصف، في مرحلة تتطلب قيادة جادة قادرة على إعادة تحريك عجلة العمل المؤسسي.كما يقتضي الإنصاف الإشادة بدور معالي الوزير سالم ثابت العولقي في اختيار هاتين الشخصيتين ومنحهما الثقة؛ فحسن الاختيار الإداري خطوة أساسية في مسار الإصلاح، حين تُمنح المسؤولية لمن يدركون أن نجاح المؤسسة يتطلب الحضور والمتابعة والعمل المستمر.

«فعظمة القيادة لا تظهر حين تكون الطريق ممهدة، بل حين تتسلّم واقعًا مثقلًا بالتعثر، فتبدأ من حيث توقّف الآخرون، وتعيد للمؤسسة نبضها، وللعمل هيبته، وللمسؤولية معناها.»

مؤسسة شبيهة بالأطلال.. ومهمة تتجاوز حدود الإدارة

لكي يكون التقييم موضوعيًا، لا بد من العودة إلى نقطة البداية، واستحضار طبيعة الواقع الذي واجهته هذه القيادة عند توليها المسؤولية.لقد جاءت إلى مؤسسة كانت، بحسب ما لمسناه من واقع العمل، أشبه بالأطلال؛ تعاني من غياب أو تعطّل عدد من الأقسام والمرافق، وتفتقر إلى الملفات والوثائق بالصورة التي يتطلبها العمل المؤسسي المنظم، فضلًا عن أعمال وملفات ظلت مجمّدة، وأنشطة لم تكن تسير بالصورة المطلوبة.وبالتالي، لم تكن المهمة مجرد إدارة مؤسسة تعمل بصورة طبيعية، بل كانت أكبر من ذلك بكثير: إعادة تحريك عجلة العمل، واستئناف ما توقّف، وإعادة تفعيل ما جُمّد، واستعادة حضور المؤسسة ودورها بعد مرحلة من التعثّر.

وهنا تكمن نقطة جوهرية ينبغي ألا يغفل عنها أي تقييم منصف؛ فليس من العدل أن نقارن بين من يتسلّم مؤسسة مكتملة المقومات، وبين من يتسلّم مؤسسة تحتاج إلى استعادة مقومات العمل وإعادة تشغيل ملفاتها وأنشطتها.

إن اختلاف نقطة البداية يفرض اختلافًا في معايير التقييم. فما قد يُعد إنجازًا في مؤسسة مستقرة هو تطوير أدائها، بينما يكون الإنجاز في مؤسسة تعثرت أعمالها هو إعادة تشغيل ما توقف، واستعادة ما فقدته من فاعلية، وتهيئة الظروف للانتقال إلى مرحلة أكثر انتظامًا وكفاءة.

إن عودة الأعمال التي جُمّدت، واستئناف الملفات التي توقفت، وإعادة تحريك مفاصل العمل المؤسسي، ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات أساسية ينبغي أن تُؤخذ في الحسبان عند تقييم أداء رئيس المؤسسة ونائبه.

ولسنا هنا بصدد تصفية حسابات مع قيادة سابقة أو الانتقاص من أشخاص بأعيانهم، وإنما نتحدث بمنطق التقييم الموضوعي الذي يضع الوقائع وحجم التحديات والنتائج في مقدمة الاعتبارات، مع التأكيد على ضرورة مواصلة الجهود واستكمال مسار الإصلاح.

حين يصبح الدوام رسالة.. والعمل مسؤولية تتجاوز الساعاتولعل أكثر ما يستوقف المرء في هذه التجربة ما نلمسه من حضور متواصل وانضباط لافت في العمل؛ إذ يمتد دوام هذين المسؤولين، في أيام كثيرة، من الثامنة صباحًا حتى الثالثة أو الرابعة عصرًا، وقد يستمر في أيام أخرى إلى المساء، بل إلى التاسعة ليلًا أحيانًا.

ولا نتحدث هنا عن طول ساعات الدوام لمجرد الإشادة بها، بل عن ثقافة إدارية تقوم على المتابعة المستمرة، والحرص على إنجاز الأعمال، والتعامل مع مسؤوليات المؤسسة باعتبارها أمانة تستحق بذل الجهد والوقت.

فكم من ملف متعثر يحتاج إلى متابعة؟ وكم من إجراء ينتظر قرارًا؟ وكم من عمل لا يعود إلى مساره إلا بوجود قيادة تتابع التفاصيل، وتستمع إلى المعنيين، وتبحث عن الحلول بدلًا من الاكتفاء بتسجيل الصعوبات؟

إن المسؤول الذي يمنح عمله هذا القدر من الوقت والاهتمام يبعث برسالة واضحة إلى العاملين، مفادها أن الانضباط يبدأ من القيادة، وأن الالتزام لا يصبح ثقافة عامة ما لم يكن المسؤول أول الملتزمين به.

فالمؤسسات لا تستعيد هيبتها بالشعارات، بل حين يصبح العمل سلوكًا يوميًا، والمتابعة مسؤولية مستمرة، والإنجاز معيارًا حقيقيًا للأداء.

في زمن الأزمات.. تظهر قيمة القيادةإن التحدي الحقيقي لا يظهر في الظروف الطبيعية وحدها، بل حين تتراكم الأزمات، وتتشابك الصعوبات المالية والإدارية، وتصبح المحافظة على استمرارية المؤسسات مهمة تحتاج إلى الصبر والإرادة وحسن التدبير.

وفي مثل هذه الظروف، لا يكون المطلوب مجرد تسيير الأعمال اليومية، بل حماية المؤسسة من مزيد من التعثر، والمحافظة على مسارها، والبحث عن الحلول الممكنة، وتعزيز ثقة العاملين والمتعاملين بها.ومن هذا المنطلق، فإن ما نلمسه من جدية الأستاذ عبدالحكيم الحياني والدكتور حاتم باسردة يستحق الإشادة؛ لأن قيمة الجهد الإداري لا تظهر في الأوقات المريحة وحدها، وإنما تظهر أيضًا في القدرة على مواصلة العمل وسط الصعوبات وعدم الاستسلام للتحديات.

إننا بحاجة إلى قيادات تجعل من الإمكانات المتاحة نقطة انطلاق للعمل، لا ذريعة للتوقف، وتتعامل مع الصعوبات باعتبارها تحديات تستوجب البحث عن حلول، لا أسبابًا لتعليق المسؤوليات.

ومع ذلك، فإن استمرار الإصلاح لا يعتمد على الأفراد وحدهم، بل يتطلب دعمًا مؤسسيًا، وموارد مناسبة، وصلاحيات واضحة، وتعاونًا بين مختلف المستويات الإدارية.

معالي الوزير سالم ثابت العولقي.. حين يكون حسن الاختيار بداية الإصلاحلا يمكن الحديث عن هذه التجربة دون الإشارة إلى معالي الوزير سالم ثابت العولقي، الذي يستحق التقدير على اختياره هذه الشخصيات ومنحهما الثقة لتولي المسؤولية.

فالمؤسسات لا تتغير بمجرد صدور القرارات، وإنما تبدأ مسيرة التغيير حين توضع المسؤولية في أيدٍ قادرة على التعامل مع متطلباتها، وتُهيأ لها البيئة المناسبة، ويُمنح القائمون عليها الدعم اللازم لتنفيذ خططهم وتحقيق أهدافهم.

إن حسن الاختيار الإداري ليس مسألة شكلية، بل قرار تتجلى أهميته في مستوى المتابعة، والقدرة على معالجة الملفات المتعثرة، ومدى انعكاس ذلك على أداء المؤسسة.

ومن هنا، فإن تقديرنا لمعالي الوزير سالم ثابت العولقي لا ينفصل عن تقديرنا للجهود التي يبذلها رئيس المؤسسة ونائبه؛ فالإصلاح يحتاج إلى قرار مسؤول، وقيادة جادة، ودعم مستمر، وتقييم يستند إلى النتائج.

فالاختيار الموفق يفتح الباب أمام الإصلاح، والعمل الجاد يمنحه مضمونه، والنتائج الملموسة هي التي تمنحه قيمته الحقيقية.

التأمينات الاجتماعية.. مسؤولية تمس حقوق المجتمع

إن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ليست مجرد مرفق إداري، بل مؤسسة ترتبط بحقوق العمال وأصحاب الأعمال، والحماية التأمينية، وصون الحقوق وفقًا للقانون.

ولذلك، فإن استعادة نشاطها، وتطوير إجراءاتها، وتنظيم ملفاتها، وتحسين مستوى أدائها، مسؤولية تتجاوز حدود الإدارة الداخلية؛ لأنها تمس مصالح شريحة واسعة من المجتمع.

وكل جهد حقيقي يُبذل في سبيل استئناف الأعمال المتوقفة، وتحسين الانضباط، وتطوير المتابعة، ومعالجة أوجه القصور، يستحق التقدير، على أن تظل النتائج موضع متابعة وتقييم مستمرين.

إننا حين نشيد برئيس المؤسسة ونائبه، لا ندّعي أن طريق الإصلاح قد انتهى أو أن جميع التحديات قد زالت، وإنما نؤكد أن الجهد الجاد يستحق أن يُرى، والعمل المخلص يستحق أن يُذكر، وأن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالخطوات الإيجابية، كما يقتضي الإشارة إلى أوجه القصور حين تظهر.فالإشادة الصادقة ليست نقيضًا للمحاسبة، والنقد الموضوعي لا ينبغي أن يحجب النجاحات التي يمكن إثباتها.

لسنا في زمن المجاملة.. بل في زمن إنصاف المجتهدين

لقد اعتاد الرأي العام، في كثير من الأحيان، على تداول أخبار الأزمات والإخفاقات والصراعات الإدارية، حتى بات الحديث عن الجهود الإيجابية أقل حضورًا في المشهد الإعلامي.

لكن الكلمة المسؤولة لا ينبغي أن تكتفي برصد مواطن الخلل، بل عليها أيضًا أن تسجل التجارب التي تستحق التقدير، وتنصف أصحاب الجهد حين تسند الوقائع ذلك.

ومن هذا المنطلق، فإن تقديري للأستاذ عبدالحكيم محمد صالح الحياني والدكتور حاتم باسردة يقوم على ما نلمسه من حضور ومتابعة وانضباط، وعلى أهمية إعادة تحريك الأعمال والملفات التي كانت مجمّدة، ومواصلة الجهود الرامية إلى استعادة فاعلية المؤسسة.

لسنا بحاجة إلى صناعة أبطال بالكلمات، ولا إلى منح أي مسؤول حصانة من التقييم، بل إلى ترسيخ ثقافة تعترف بالجهد، وتقدّر الإنجاز، وتدعم الإصلاح، وتحاسب على أساس الوقائع والنتائج.وهنا تبرز أهمية الإعلام؛ فكما أن من حقه تسليط الضوء على أوجه القصور، فإن من واجبه المهني أيضًا نقل التجارب الإيجابية، ومنح الرأي العام صورة متوازنة عن مسارات العمل المؤسسي.

كلمة أخيرة..

فلا تبخلوا على المخلصين بكلمة إنصاف، ولا تجعلوا جهود المجتهدين تمر دون تقدير؛ فالكلمة الصادقة تعزز روح العطاء، والتقدير المستحق يشجع على الاستمرار، والإنصاف قيمة لا تقل أهمية عن المحاسبة.

إن استعادة الأعمال التي توقفت، وإعادة تحريك الملفات التي جُمّدت، وفتح الطريق أمام مرحلة أكثر انتظامًا وفاعلية، أمور تستحق أن تكون في صلب التقييم، وأن تُتابع نتائجها حتى تتحول إلى تحسن مستدام يشعر به العاملون والمستفيدون.

تحية تقدير لكل يد تعمل بصمت، ولكل عقل يخطط بمسؤولية، ولكل قيادة تجعل من الأمانة منهجًا، ومن الانضباط سلوكًا، ومن نجاح المؤسسة غاية.وحين يلتقي حسن الاختيار بصدق العمل، وتساند الثقةُ المسؤوليةَ، وتتحول الأمانة إلى ممارسة يومية، يصبح الأمل في إصلاح مؤسسات الدولة أملًا يستند إلى العمل، لا إلى الأمنيات.

فالتاريخ لا ينصف أصحاب المناصب لمجرد أنهم شغلوها، بل ينصف من يتركون في مواقعهم أثرًا يستحق أن يبقى.

Share the Post:

Related Posts

رئيس التأمينات الاجتماعية يستعرض تقرير النصف الأول 2026 ويناقش خطة 2027

عقد مجلس المديرين بالمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، المركز الرئيسي في عدن، اليوم الاثنين، اجتماعًا برئاسة رئيس المؤسسة الأستاذ عبدالحكيم محمد صالح الحياني ، لمناقشة تقرير الأداء للنصف الأول من عام 2026م، وبحث توجهات خطة العمل للعام المقبل 2027م.

Read More

You cannot copy content of this page

Scroll to Top