بقلم/ نجيب الكمالي
ما بين قاعة الجامعة ومقر التأمينات الاجتماعية، بدأت للدكتور حاتم باسردة حكاية جديدة.
الرجل الذي عرفناه دكتورًا في الجامعة، بين المحاضرات والطلاب، وجد نفسه اليوم أمام مسؤولية مختلفة، تتعلق بالعمال والمؤمن عليهم وأسرهم، وبحقوق الناس ومستقبلهم.
وبصراحة، الانتقال من الجامعة إلى التأمينات مش سهل. هناك فرق بين قاعة تحاضر فيها وتناقش طلابك، وبين مؤسسة تتعامل مع قضايا تمس حياة الناس بشكل مباشر، ومع عامل قضى سنوات من عمره في العمل وينتظر أن يجد حقه محفوظًا عندما يحتاج إليه.
مرت أربعة أشهر تقريبًا على تولي الدكتور باسردة منصب نائب رئيس التأمينات الاجتماعية، وأنا أشوف أنها فترة قصيرة جدًا للحكم على أي تجربة، لكن بعض البدايات تستحق أن نتوقف عندها.
أكثر شيء لفت انتباهي زيارته لمستشفى محمد بن سلمان في عدن، ولقاؤه بمدير عام المستشفى، ومناقشة موضوع شمول العاملين بالتغطية التأمينية.
قد يراها البعض زيارة عمل عادية، لكن بالنسبة لي لها معنى أكبر.
لأنني أؤمن أن المسؤول عندما يترك المكتب ويلتقي بأصحاب الأعمال والعاملين، فإنه لا يسمع فقط، وإنما يوضح لهم أهمية التأمينات الاجتماعية ودورها في حماية العامل وأسرته، وفي زرع الأمن الاجتماعي والمساهمة في التخفيف من الفقر.
وهنا تكمن أهمية التأمينات في نظري.
فهي مش مجرد اشتراكات وملفات وأرقام، وإنما أمان للإنسان عندما يكبر، أو يمرض، أو يتعرض لظرف يمنعه من العمل.
العامل عندما يعرف أن له حقًا محفوظًا، وأن وراءه مؤسسة يمكن أن يلجأ إليها، يشعر بشيء من الطمأنينة على مستقبله ومستقبل أسرته.
ولهذا فإن توسيع مظلة التأمينات والوصول إلى أكبر عدد من العاملين، وإقناع أصحاب الأعمال بأهميتها، ليس عملًا إداريًا فقط، وإنما قضية اجتماعية لها علاقة بحياة الناس واستقرارهم.
ومن هذا الجانب، أرى أن مسؤولية التأمينات كبيرة، لأنها تتعامل مع حاضر العامل ومستقبله في الوقت نفسه.
وهذه المسؤولية تأتي في ظل الدعم من قيادة المؤسسة الأستاذ عبد الحكيم الحياني، وبناءً على توجيهات وزير الخدمة المدنية والتأمينات رئيس مجلس الإدارة للمؤسسة الأستاذ سالم أبو بكر العولقي.
وأتمنى أن تستمر هذه الروح، وأن تتحول التوجيهات إلى خطوات عملية يشعر بها العامل وصاحب العمل والمؤمن عليه.
لأن الناس في بلادنا، وبصراحة، تعبت من الكلام الكثير.
الناس تريد أن تشوف نتيجة، وتريد أن تعرف أن المؤسسة موجودة وقريبة من مشاكلها.
وفي هذا الجانب، من الإنصاف أن نشير إلى جهود الأستاذ أحمد هيثم، مدير عام التفتيش، في إعداد البرامج، وكذلك جهود الدكتور أحمد فدعق، مدير عام فرع العاصمة عدن، ومدير التفتيش في الفرع فهمي الخبش، وطاقم التفتيش في فرع عدن، في متابعة المنشآت المتلكئة ومواجهة التهرب التأميني.
وأنا أعرف أن المهمة مش سهلة.
ما تراكم خلال سنوات ما يمكن إصلاحه في أيام، ولا يمكن أن نتوقع أن تتغير كل الأمور بمجرد وصول مسؤول جديد.
الموضوع يحتاج وقتًا وصبرًا ومتابعة، والأهم أن يستمر العمل ولا يتوقف مع انتهاء الحماس الأول.
ولهذا أنا ما أريد أستعجل في الحكم على تجربة الدكتور باسردة.
أربعة أشهر ما تكفي.
لكنني أقول إن البداية لفتت انتباهي، وأتمنى أن تستمر بنفس الروح، وأن يظل التواصل مع العمال وأصحاب الأعمال جزءًا أساسيًا من العمل.
وعندما أقول من دكتور في الجامعة إلى قائد في ميدان الأمن الاجتماعي، فأنا لا أقصد القيادة بالمنصب فقط.
أقصد المسؤول الذي يسمع ويتابع ويحاول، ويعرف أن خلف كل ملف إنسانًا، وخلف كل عامل أسرة، وخلف كل أسرة مستقبل يحتاج إلى الأمان.
وأعتقد أن نجاح التأمينات لا يقاس فقط بما تنجزه من معاملات، وإنما بما يشعر به العامل عندما يعرف أن سنوات خدمته لن تضيع، وأن له حقًا محفوظًا في وقت الحاجة.
كلما اتسعت مظلة التأمين، أصبح عندنا عمال أكثر أمانًا، وأسر أكثر استقرارًا، ومجتمع أقل عرضة لآثار الفقر والحاجة.
وهذا، في رأيي، هو المعنى الحقيقي للأمن الاجتماعي.
أما الدكتور حاتم باسردة، فأتمنى له التوفيق في مهمته الجديدة، وأتمنى للأستاذ عبد الحكيم الحياني والأستاذ سالم أبو بكر العولقي التوفيق في قيادة هذا العمل.
وأنا من موقعي سأظل أتابع وأكتب ما أشوفه، لا من باب المجاملة، ولا بحثًا عن مدح أحد، وإنما لأن التأمينات قضية تمس الناس مباشرة.
وفي الأخير، التأمينات مش ملفات وأرقام ومكاتب فقط.
وراء كل ملف عامل.
وراء كل عامل أسرة.
وراء كل أسرة حياة كاملة.
وإذا استطعنا أن نحفظ حق العامل ونوفر له ولأسرته قدرًا من الأمان، فنحن لا نحمي فردًا واحدًا فقط، وإنما نساهم في مجتمع أكثر استقرارًا وأقل فقرًا وحاجة.
وهنا، في رأيي، يبدأ الأمن الاجتماعي الحقيقي.

